الجامعات

النقابات

الجمعيات

الأحزاب

المخاتير

البلديات

مجلس النواب

مجلس الوزراء

رئاسة الجمهورية

المقدمة

  Designed & Powered by NetGlory 

 
  الإتصال بنا

chat

عودة

أيها الناخب ... صوتك أمانة, لا تفرط به            -            حرية  +  ديمقراطية  =  إنتخابات نزيهة             -            أيها الناخب ... صوتك مسؤولية, كن بحجمها

 

 

مقالات

 

قانون مُحاسبة أميركا

بقلم الرئيس سليم الحص

    

           أميركا مأخوذَة بغطرسة القُوّة التي تطبع سياساتها في العالم. هي وحدها، دون سِواها من دول العالم، لا تتورّع عن إصدار الأحكام على سائر الدول وتتّّّّخِذ في حَقِّها الإجراءات والتدابير التي تخدُم مصالِحها.

          وقد انتحَلَت لنفسها دور الشرطي على الساحة الدولية. فهي تُقاطِع كوبا، لا بل تُحاصِرها، منذ الإنقلاب الذي جاء بفيديل كاسترو رئيساً للجارة الصغيرة. وقد تورّطت في حرب كوريا مُتصدّية للحكم الشيوعي في كوريا الشمالية، وفي حرب فييتنام مُتصدّيَةً للحكم الشيوعي في الشمال ومن ورائه الصين، وتدخّلت غير مرّة في إنقلابات على الحكم في دول أميركا اللاتينية من خلال جهاز إستخباراتها المُسمّى سِي آي إيه، وقاطعت الحكم في إيران منذ الثورة الإسلامية بقيادة الخميني، وسانَدَت بعض الأنظِمة العربية في وجه المَدّ القومي الناصِري في مراحِل مُتعدِّدة.

          وفي كل حُروب العرب مع إسرائيل وقفت أميركا إلى جانِب إسرائيل وأمدّتها بالأسلحة المُتطوِّرَة بِلا حِساب وتبنّت وجهة النظر الإسرائيلية في المحافِل الدولية وخصوصاً في مجلس الأمن الدولي. والعرب لا يَنسون زَخم الدعم الذي تلقّته الدولة العِبريّة في حرب العام 1973 مالاً وسِلاحاً عندما تضعضع الجيش الإسرائيلي في وجه الهُجوم العربي المُفاجىء على الجبهتين المصرية والسورية. وكان آخر فُصول تدخّلها العسكري المُباشَر في أفغانستان والعراق، وكِلاهُما يرزحان حاليّاً تحت نِير الإحتلال الأميركي المُباشَر.

          أمّا سوريا فكان نَصيبها إصدار الكونغرس الأميركي قانون مُحاسبة سوريا، أمّا التهديد العسكري ضِدّ سوريا فتركتهُ لحليفتها إسرائيل. وأميركا، في هذا القانون، تُعاقِب سوريا على علاقتها مع لبنان وعلى ما تُسمِّيه " دعم الإرهاب "، والمقصود مُسانَدَة سوريا للمقاومة الإسلامية في لبنان ولحركات المُقاومة في فلسطين. كذلك بَنَت أميركا قانونها على شـبهَة إقتِناء سوريا برامج لتطوير أسلحة دمار شامِل.

          لماذا تَسِنّ أميركا قانوناً لمُحاسبة سوريا ولا تَسِنّ سوريا مِثلَهُ لمُحاسبة أميركا؟ الجواب ببساطَة هو في الفارِق الكبير في ميزان القوى بين أميركا وسوريا، الراجح بالطبع لصالِح الأولى، عسكرياً وإقتصادياً. في ظل هذا الواقِع تستطيع أميركا أن تُهدِّد مصالِح سوريا في الصَميم، فيما لا تَستطيع سوريا أن تُهدِّد مصالِح أميركا من قريبٍ أو بعيد. إنّه مَنطِق الحَق للقوّة. وإذا كان لسوريا أن تكتَفي بالموقِف سلاحاً، فتشهر سِلاح الموقِف في وَجه الدولة العُظمى دولياً، فإنّ هذا السِلاح يبقى ضَعيفاً إذا إقتصر على سوريا ويكون أقوى كثيراً في حال كان الموقِف المَسلول عربياً جامِعاً.

والسؤال هو : لماذا لا تعمد سوريا إلى الرَدّ على الدولة العظمى بسِلاح الموقِف العربي من خلال قانون لمُحاسبة أميركا يصدره مجلس النواب في دمشق مُنطلَقاً لتأليب الموقِف العربي في التصدّي للتحدّي الأميركي؟ هكذا يُواجِه العرب الدولة العظمى بالسِلاح الذي يَملكونَه، أي سِلاح الموقِف، وهو أضعف الإيمان، ولو أنّه لن يُرهِب دولة تحتفِظ بترسانة هائلة من أسلحة الدمار الشامِل.

          مشكلة سوريا ستكون عند ذاك في مَدى قدرَتِها على تأليب الموقِف العربي الجامِع في وَقت تتصرّف فيه بعض الأنظِمَة العربية وكأنّها مُجرّد خاتَم في إصبَع الدولة العُظمى ، وبين الحكّام العرب من يتسابَقون على خَطب ودّ أميركا ورِضاها. مع ذلك فإنّ من حَقّ سوريا أن تفعل ما تستطيع، عسى أن يكون في اصطِفاف بعض الحكّام العرب إلى جانِب أميركا ضِدّ دولة شقيقة إحراج لهؤلاء أمام شعوبهم ولو كانت هذه الشعوب مَقهورَة مَقموعَة. إذا كان الواقِع جائراً، فعَسى أن يكون التاريخ مُنصِفاً عادِلاً.

          لو صَدَر في سوريا قانون لمحاسبة أميركا، فماذا عساه أن يكون مَضمونه؟ هُنا أنموذج عمّا هو مُتوقّع:

          لَمّا كانت أميركا تُسانِد دولة العدوان إســــــــرائيل في إنتهاك القرارات الدولية ، إبتِداءً من قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين مُروراً بالقرارات التي صَدرت عقب حرب العام 1967 وحرب العام 1973، وكذلك كل القرارات التي حَفظت للاجئين الفلسطينيين حقّهم في العودة إلى دِيارِهم،

          ولَمّا كانت أميركا أمينَةً دَوماً على التهديد باستخدام حقّ النقض الذي تتمتّع به الدول الكبرى في مجلس الأمن كُلّما طرح مشروع قرار بإدانة اعتداءات إسـرائيل المُتكرِّرَة على العرب،

          ولَمّا كانت أميركا تدعم إسرائيل بسَخاء ما بعده سَخاء مالياً وعسكرياً ، مؤمّنة للدولة العبريّة مُساندة غير مَحدودَة في عدوانها المُستمِر على الأمّة العربية ،

          ولَمّا كانت أميركا ، تحت غطاء الحرب المزعومَة على الإرهاب ، تنتهِك أحياناً أبسط حقوق الإنسان ، ومن ذلك إحتِجاز مِئات الأسرى في مُعتقل خليج غوانتنامو ، وبينهم عدد لا يُستهان به من العرب ، فتحرمهم من أبسط شُروط الدِفاع عن النفس  ،

          ولًَمّا كانت السياسة الأميركية تُلحق أفدح الضرر بشعب سوريا في الجولان، وبشعب فلسطين المُشَتّت في الجِوار العربي كما المُقيم في الضِفّة الغربيّة وغزّة، ولَمّا كانت السياسة الأميركية تُؤمِّن التغطِية السافِرة لعدوان إسرائيل على الشعب الفلسطيني وما ترتكِبه يومياً في حقِّه من جرائم ومجازِر وتنكيل، مُنتهكَة كُل الشرائع الدولية والقِيَم الإنسانية وحقوق الإنسان،

          ولَمّا كانت أميركا تُمارِس كل ألوان الضغط على العرب لصالِح الكيان الصهيوني من غير اعتبار للحَقّ والعدل، وقد أدّت ضُغوطها إلى شرذَمة الموقِف العربي وتَبديده،

          ولَمّا كانت سِياسة الولايات المتحدة حِيال المنطقة العربية تتحكّم فيها وكالة الإستخبارات المركزيّة التي عُرِف عنها إثارَة الفِتن وتنفيذ الإغتيالات ورِعايَة الإنقِلابات في شتى أرجاء المعمورَة،

          ولَمّا كانت أميركا قد احتلَّت العراق تحت ذريعَة سُرعان ما ظهر بطلانِها، وهي الآن تُغذّي أجواء الإحتِقان والإنقِسام بين فِئات الشعب الواحِد،

          ولَمّا كانت أميركا تمتلِك مَخزوناً هائلاً من أسلحة الدمار الشامِل على أنواعِها فيما هي تُحظِّر إمتِلاكها على الآخرين وتغُضّ الطرف عن ترسانَة إسرائيل مِنها،

          ولَمّا كانت أميركا قد تَبنَّت قانون مُحاسبة سوريا وهو تَشريعٌ عدائي لسوريا وشعبها،

          صدر عن مجلس النواب في دمشق قانون مُحاسبَة أميركا الذي يقضي بِما يأتي:

          أولاً، خفض مُستوى التمثيل الدبلوماسي إلى ما دون رتبة سفير،

          ثانياً، حظر المُشاركَة في مشاريع داخِل سوريا على الشركات الأميركية كافّةً،

          ثالثاً، القِيام بحملة إعلامية واسِعَة في العالم لِفضح أهداف سياسة أميركا في الشرق الأوسط وإنحِيازها الأعمى إلى العدوان الصهيوني،

          رابعاً، تَنمية أسباب التواصُل مع الجاليات العربية داخل أميركا ودعوتها لإتّخاذ مَوقِف من سياسة الإدارة الأميركية المُحابيَة لإسرائيل ولا سيما في الإنتخابات الرِئاسيّة،

          خامساً، مُطالَبَة الدول العربية كافّةً بأن تتضامَن مع سوريا في موقِفها من التعامُل مع أميركا على المستويات والصُعُد كافّة ما دامت الدولة العظمى تسلك سبيل الانحياز السافر للعدوان الصهيوني،

          سادساً، إنشاء فضائيّة عربية تُخاطِب الرأي العام الأميركي مُباشرةً بالإنكليزيّة وَضعاً للنُقاط على الحروف في خِدمَة القضية العربية وإظهاراً للحَقّ العربي أمام الرأي العام الأميركي.

          أخيراً فإنّ سوريا، إذ تُناشِد الأشِقّاء العرب جميعاً الوُقوف إلى جانِبِها، إنما تستصرِخ فيهم الضمير القومي وتستفِزّ فيهم تمسُّكهم بالعنفوان والكرامة والحقّ.

           ويوقَف العمل بهذا النص عند التجاوُب مع مُبادرة السلام العربية بحذافيرها بِما فيها حفظ حقّ العودَة لجميع اللاجئين الفلسطينيين، وعند الجلاء عن العراق. إنتهى نصّ القانون.

          من المتوقّع أن تَثُور ثائرَة أميركا على هذا النصّ وتَنبَري إلى التصَدّي له بإطلاق كل أشكال التهديد والوَعيد للدول العربية التي قد تُحدِّثها نفسها مُجاراة سوريا فيه، وستشتَدّ حملة الإدارة الأميركية ضِدّ سوريا عُنفاً، وسَتُحذِّر سائر دول العالم، ولا سيما الإتّحاد الأوروبي واليابان، من مُماشاة سوريا في موقِفها، وأخيراً لا آخِراً قد تطلق يد حليفتها إسرائيل في تصعيد عدوانها على سوريا. وقد لا يسلم لبنان من هذه الحملة بإعتِبار علاقته المُميّزة مع سوريا، هذا ناهيك بأنّ العدوان على سوريا قد يُنفّذ عَبرَ الأراضي اللبنانية.

          هكذا يبقى الحقّ للقُوّة في السياسة الدولية ويبقى العدل يَتيماً، يُكال بالمِكيال الإسرائيلي ولو بَكساء أميركي.

 سليم الحص   

 

 

 

 

جميع الحقوق محفوظة  2004 / 2005 - Netglory ® ©