الجامعات

النقابات

الجمعيات

الأحزاب

المخاتير

البلديات

مجلس النواب

مجلس الوزراء

رئاسة الجمهورية

المقدمة

  Designed & Powered by NetGlory 

 
  الإتصال بنا

chat

عودة

أيها الناخب ... صوتك أمانة, لا تفرط به            -            حرية  +  ديمقراطية  =  إنتخابات نزيهة             -            أيها الناخب ... صوتك مسؤولية, كن بحجمها

 

 

مقالات

 

وَقفَة تَبَصُّر

بقلم الرئيس سليم الحص

    

          سُئلت عن السَعادَة يوماً فقلت : السَعادَة أن تكون قد بَلَغت مِن العُمر عتِيّا ، طَويت ما يزيد على السبعين عاماً، وأَنتَ تَنعَم بِراحَة الضمير، سُئلت: وكيف تكون راحَة الضمير، فقلت: هي أن تَلتَفِت إلى الوراء فيغمُرك شُعور بأنّك فَعلتَ كُل ما كان يجِب أن تَفعَل، ولم تَفعَل شيئاً كان يجِب ألاّ تَفعَل. عند ذاك لا تَخشى أن تَلقى رَبّ العالَمين في أيّ لحظَةٍ، وأَنتَ راضٍ عن قَدَرك وما قَسَمَهُ لَكَ في حياتك. ففي القناعَة أيضاً سَعادَة.

          إمتَحنَني رَبّي، إذ آلت إلَيَّ مسؤولية الحكم في بلدي في أَحلَك الأوقات: زمن القَتل والتفجير والنَهب والخطف والتهجير، وأَحمدُ اللَّه على أنّ يَدي لَـم تَـنغَمِس فــي حادِثٍ مِنها وأنّ فِكري لم يتلَوَّث بِخاطِرٍ مِنها في لحظةٍ من اللحظات. أَبيْتُ توقيع حكم بإعدام جَانِيين إثنين، لأنّ الأمر بالقَتل هُوَ في نَظَري تَماماً كفِعل القَتل، فلم أَشَأ أن أُساوي نَفسي بالجاني فأَغدو في مَنزِلَة القاتِل، ثم إنّ الإعدام ليس في حقيقَة الأمر عُقوبَة، إذ لا يحيا المَحكوم بَعدَهُ لِيندَم على فِعلَتِهِ، والنَدَم هُو في واقِع الحــال أقصى القصاص. وقد قال اللَّه تَعالى: " وَلَكُم في القصاص حَياة يا أُولي الألباب لعلّكُم تَتّقون ".

          كذلك لَم أُحرِّض على قَتل أحد وإن عاطفيّاً، فلم أَغتبِط يوماً لِقتل حتى عَدُو. مع ذلك لَم أَدعُ يوماً إلى الإستِكانَة إلى ظُلم أو إعتداء، فَكنت أَدعو إلى المُمانَعَة، إلى المُقاوَمة السِلمِيّة للظُلم والجَور ما أَمكَن، وأَتَفهَّم دِفاع المَرء عن نَفسه وعرضِه وبَنيه في وَجه عدوان ٍ غاشِم. هكذا فَهِمت إنتفاضة شُعوبنا على الإستِعمار والإستغلال والإحتِلال، وهكذا فَهِمت ثَورة الشُعوب على حُكّامِها المُستبِدّين الظالِمين، وهكذا فَهِمت مُقاومة لبنان إحتِلال أرضه، وهكذا فَهِمت إنتِفاضَة الشعب الفلسطيني على العدوان والطغيان والعَربَدَة، لا بل هكذا أَفهَم تَمَرُّد المواطن العربي على أَنظِمَة الكَبت والقَمع. ولكنني أَرى في الطُفولَة عنواناً للبَراءَة، فما تَقَبّلَت نَفسي إزهاق روح طفل أَيّاً تَكُن هويّته. إنّ إزهاق أرواح الأبرِياء يَنبَغي أن يكون خَطّاً أحمر يلتَزِمه المُناضِلون الأبرار.

          ولَم أتوانَ إبّان وُجودي في الحكم عن السَعي إلى وَقف الإقتِتال في لبنان وبَعث الوِئام بين أبناء الشعب الواحِد. لا بَل لم أَشعُر يوماً أَنّني كنت، فِكراً أو وجداناً، شَريكاً في الإقتِتال الذي كان يَدور على الساحة اللبنانية. وقد أَدانَني شُرَكائي في الحكم في غير مُناسَبَة على وُقوفي يوماً في وَجه أمرٍ يصدره مجلس الوزراء للجيش في جانِبِنا بالهُجوم على الجيش في الجانِب الآخر من المُواجَهَة يوم كان الإنقِسام سَيِّد الساحة، فطَالبتُ في مجلس الوزراء بالتَرَيُّث والنَظَر في إجتِراح بَدائل سِلمِيّة للحَسم العسكري حَقْناً للدِماء. فَأُخِذَ هذا الموقِف على غيرِ مَحمَلِه وتَذرَّع بِهِ شُرَكائي في الحكم آنذاك للتَنديد بِي.

          مُجرِماً كان هِتلِر إذ قضى بإفناء اليهود في بلاده ، ومُجرِماً كان رئيس أميركا إذ قضى بإلقاء قنابِل نَوَوِيّة فَوق هيروشيما وناكازاكي في اليابان في الحرب العالمية الثانية، ومُجرِماً كان صدّام حسين إذ شَنّ حملات إبادَة بالأسلحة الكيماوية ضِد المُنتَفِضين عَليه من شَعبه، ومُجرِماً كان رئيس أميركا، وكذلك رئيس وزراء بريطانيا، إذ افتَعَلا حَرباً دامِيَة مُدَمِّرَة ضِد العراق، ومُجرِماً كان كل زَعيمٍ صهيوني قاد عدواناً غاشِماً في فلسطين، لا بَل ضِدّها، مُمعِناً في شَعبٍ آمِن قتلاً وتَشريداً وتنكيلاً. لا بَل مُجرِم هُوَ كل حاكِمٍ بطّاش يُمارِس القَمع والعَسف على شعبه، ومُجرِم هُوَ كل حاكِمٍ في أَيّةِ دولةٍ تختَزِن أسلحة الدمار الشامِل في ترسانتِها. وهذا الحكم لا يَقتَصِر على الدول الصُغرى دون الدول الكُبر، كما يَشاء لَنا المُتَسلِّطون على العالم أن نَرى، بل هو يَنطبِق على الدول الأقوى قبل الأضعف.

          وأنا أَعتَبِر كُل مَن أَسهَم في إنهاء الحرب اللبنانية مِن قَريبٍ أو بَعيد صاحِب فَضل مَشهود، ليس وَطَنِياً فحسب بل إنســانياً كذلك، وأَحمد اللَّه على أَنّه كان لي إسهام، مَهما ضَؤل، في إنهاء تلك الحرب من مَوقعي آنذاك في سدّة المسؤوليّة. وأَعتَبِر أنّ كل مَن يُحاوِل العَودَة إلى إثارَةِ النِزاعات والضغائن بَين أبناء الشعب الواحد ، سواء بِقلمه أو لِسانه أو قَراره أو سُلوكه أو حتى نَواياه، إنما هُوَ آثِمٌ مُدان، ضالِع في كل ما قد ينجم عن فِعلَتِهِ من ظُلم أو عُدوان أو إساءة. كذلك هُوَ كل من يُسهِم بِدور، مُباشر أو غير مُباشر، في استِثارَة العصبيّات الفِئوِيّة ، المذهبيّة مِنها والطائُفيّة والعُنصُرِيّة. سامَح اللَّه أولَئك الذين يُمارِسون السِياسَة في لبنان ولا يتورّعون عن استِغلال العصبيّآت الفِئويّة مَطِيّةً للوُصول إلى مآرِب آنِيّة عارِضة غير عابئين بِما قد يترتّب على فِعلَتِهِم من عواقِب على حاضِر المُجتمع ومُستقبله .

          لَستُ مَعصوماً عن الخطأ. مَعاذ اللَّه أن أَدّعي ذلك. كنت مُعرّضاً لإرتِكاب أخطاء كَثيرَة في الممارَسة اليوميّة في سدّة المسؤوليّة. قد أَكون قد أخطَأت حتى على مستوى تَصريف أعمال الدولة، من مثل المُوافَقَة على قرارات التَعيين أو التَرفيع أو التكليف أو المُلاحَقَة أو الصَرف من الخِدمَة. جلّ مَن لا يُخطىء. إلاّ أَنّني مرتاح الضمير إلى أَنّني لَم أَفعَل ذلك عامِداً مُتَعَمِّداً، أَو مِن دون سَنَد كنت أَعتَقِد أَنَّهُ صائب أو مَوثوق. إن اجتَهَدَ المَسؤول فََلهُ أَجر، وإن أَصابَ فََلَهُ أجران.

          قد أَكون أَخطَأت، ورُبما تَمادَيت في الخَطأ، في حَملَتي على بعض السياسيين. وَعُذري في ذلك، وقد لا يَكون عُذري مَقبولاً أو كافِياً في نَظرهم، أنّ هؤلاء أَساؤوا إلى وطنهم، أو تجاوَزوا على الحَقّ في أَفعالِهِم، أَو غالوا في إفساد المجتمع في ممارساتِهم. لَيس عَيباً أن يكون المَرء ثَرِيّاً، ولكن العَيب كُل العَيب في تَسخير المال أَداة فساد وإفساد. وإن كنت قد أسأت التَقدير في هذا التَوَجُّه أو المَسلَك، فإنّني هَهُنا أَعتَذِر من هؤلاء.

والصفح مِن شِيَم الكِرام. لـم يَكُن قًصدي الإساءَة الشخصيّة بَل النَهي عن مُنكَر. إنّما الأعمال بالنِيّات. هذا مع العِلم أنّ هؤلاء لَم يَدخروا وِسعاً في الإساءة إلَيَّ في حَملاتِهِم الجائرَة الشَعواء ضِدّي طِوال وُجودي في الحكم، وقد وَظَّفوا في حَملاتِهم تِلك من الإمكانات المادّيّة والإعلاميّة ما لَم أَكُن أَملك مثله، فَنَجَحوا في تَشويه صُورَتي وتَلطيخ سمعَتي بين الناس. ورَصيد السـياسي بين الناس هُوَ ثَروَتهُ، وهُوَ ما يَترُك لأبنائه وأحفادِه من بَعده. مع ذلك أَقول إنّ إسـاءَة غُرمائي السياسيين لِي لا يجوز أن تَكون مسوّغاً لإساءتي إليهِم في حالٍ من الأحوال.

          أمّا سُقوطي الذَريع في إنتخابات عام 2000، فكان نِتاجاً طَبيعِيّاً للحملات المُبرمَجَة ضِدّي. ويجِب أن أَعتَزّ بأَنّني رُبما كنت أوّل رئيس للوزراء في لبنان يَخسَر الإنتخابات وَهُوَ على رأس الحكومة. وقد بَلسَمَت جرحي سَيدَة كَريمَة من بيروت إذ رَدّت على سُؤال من أحد أًصدِقائي: " كيف يُمكِن أن يَفوز فُلان وأَنتُم لَم تَقتَرِعوا لَه ؟ " فقالَت بكل براءة " اقتَرعنا لِسِواه لأنّنا إفترضنا أَنّهُ سَيَفوز في أَيِّ حال، كَونَهُ رئيساً للوزراء ".

          تَعرّضت وأنا في الحكم لمُحاوَلة إغتيال سَقط ضحِيّتها أربعة قتلى، بَينَهُم مَن كان يَقود سيارتي، إلى 28 جريحاً. تَناهَت إليَّ مَعلومات مَوثوقَة، مِن مصادِر لا ترقى إليها الشُكو، عن الفاعِلين والمُحرِّضين والمُتآمِرين، فأَبلَغت القضاء كل ما أَعلَم طَلَباً لإنصاف الذين قُتِلوا أَو جُرِحوا بِسبَبي. ولكن، بعد عِشرين سنة من وُقوع الجَريمَة النَكراء، لَم يُستجوَب أحد مِن هؤلاء عن دَوره أو مسؤولياته. وليس في القضِيّة حتى اليوم مَن طاوَلَهُ إتِّهام أو حتى مُساءلَة. فقَرّرت إتّخاذ صِفَة الإدِّعاء الشخصي لِسبب بَسيط: كَي يكون لي مُحامٍ يُلاحِق القَضِيّة بَحسب الأصول، حتى لا تكون أرواح الشُهداء قد ذهبَت هَدْراً. أما ما أَصبو إليه من وراء مُلاحقة القَضِيّة قضائياً، فَفي مُنتهى البساطَة. إنّني أَكَتفي بإعتِراف الضالِعين في الجَريمَة بِجريمتهم، ومِن ثم إعتِذارِهِم لعائلات الشـهداء والتعويض لَهُم، عَسى أن يكون من شأن ذلك التَخفيف بعض الشيء من مُصابِهِم وقد خَلّفوا وراءهم أرامِل وأيتاماً. إنّني قطعاً لا أَطلُب لأحد مِن المُتورّطين إعداماً أو حتى سَجناً. يَكفِيهِم عِقاباً أنّ جَريمَتهم لَم تَمُر من دون إدانَة. والنَدم، كما سبق القول، هُوَ أَعظَم قصاص. أمّا إذا ثَبُتَت براءَتهُم، وهذا مُستبعَد، فإنّني لَن أَتوانى عن الإعتِذار مِنهُم عَلانِيةً.

          سَطّرت هذه الخواطِر برسم الناس الطَيِّبين الذين أُثمِّن رأيهُم، وخُصوصاً بِرسم كل مَن وَثق بي أَو راهَنَ عَليّ أو إطمأنّ إلَيّ في حَياتي السياسية، وكُل مَن رافَقَني في حِلّي وتَرحالي، وكذلك بِرسم إبنَتي وحَفيدي لأنّ قَدَرَهُما أن يَرِثا إسمي بحلوِهِ ومُرِّه ، بأرزائه وأوزارِه وأصدائه.

 

 سليم الحص   

 

 

 

 

جميع الحقوق محفوظة  2004 / 2005 - Netglory ® ©