الجامعات

النقابات

الجمعيات

الأحزاب

المخاتير

البلديات

مجلس النواب

مجلس الوزراء

رئاسة الجمهورية

المقدمة

  Designed & Powered by NetGlory 

 
  الإتصال بنا

chat

عودة

أيها الناخب ... صوتك أمانة, لا تفرط به            -            حرية  +  ديمقراطية  =  إنتخابات نزيهة             -            أيها الناخب ... صوتك مسؤولية, كن بحجمها

 

 

مقالات

 

الرِئاسات بين الطائفية والوِفاق

بقلم الرئيس سليم الحص

    

          كيفما نَظرنا إلى الحالة الوِفاقِيّة، أو بالأحرى اللا وِفاقِيّة، التي آل إليها المسار السياسي بعد خمسة عشر عاماً من مَولِد وثيقة الوِفاق الوطني، فإنّنا نخلص إلى أنّ الطائفية هي عِلّة العِلل. وما لَم يُباشَر جدّياً معالجة هذه الآفة، عَبثاً نَتحدّث عن وِفاق بين اللبنانيين. فاتّفاق الطائف بَقيَ في مُستوى التــسوية بين الطوائف ولم يتحوّل وِفاقاً بدليل ما نَشهد اليوم من احتِدام في العصبيّات الفِئوِيّة. ولكن، إنصافاً لاتّفاق الطائف، لا بُدّ أن نُسجِّل أنّه نصّ على آلِيّة للعمل على تجاوُز الحالة الطائفية لَم توضَع، لأسبابٍ غير مَفهومَة، مَوضِع التطبيق حتى اليو .

          ولمّا كان الإتّفاق فِعلِيّاً في حُكم التسوية بين الطوائف فإنّ تجربة التطبيق آلت إلى واقِع أضحَت فيه كل طائفَة تُقَوِّم النِظام الجديد بمعايير ما جَنَت مِنه في مُقابِل ما جَنَت سائر الطوائف. فإذا بِوَزير يَنبَري إلى التساؤل عن عدالَة نِظام تكون فيه وِلايَة رئيس الجمهورية الماروني مُحدّدَة بِأجَل وغير قابِلَة التمديد أو التجديد، فيما وِلايَة رئيس مجلس النواب الشيعي ووِلايَة رئيس مجلس الوزراء السِنّي يُمكِن استمرارهما بِلا حُدود زَمَنِيّة. مع ذلك، لَو سُئل غلاة الموارِنَة ما إذا كانوا يَرضون بِمُقايَضَة رئاسة الجمهورية بإحدى الرئاستين الأُخرَيين لجاء الجواب قاطِعاً: كَلاّ.

          وكثيراً ما نَسمع تساؤلاً من جِهات أخرى عن مُبرِّر كَون وِلايَة رئيس مجلس النواب الشيعي لأربع سنوات، فيما رئيس مجلس الوزراء السِنّي يَبقى، مهما طال عهده في الحكم، عُرضَةً للإسقاط في أيّة لحظة بحجب الثِقَة عنه في مجلس النواب. ولَو سُئل غُلاة السِنّة ما إذا كانوا يَرضون بمُقايَضَة رئاسة الوزراء برئاسة مجلس النواب لجاء الجواب قَطعاً بالنَفي.

          ولعل شُعور غُلاة الشِيعَة بأن لا سلطَة تنفيذيّة في يَد رئيس مجلس النواب هو الذي حَدا بِه إلى أن يُعوِّض هذا الواقِع بممارسة تَجعله عَمَلِيّاً شَريكاً في السلطة الإجرائية، فكانت بِدعَة تروَيكا الحكم (الثُلاثِيّة) التي سادَت في ظل حكومات الرئيس رفيق الحريري طِيلَة عهد الرئيس الياس الهراوي، ثم بِدعَة (الثُنائيّة) في ظل حكومَتي الرئيس الحريري في عهد الرئيس إميل لحّود، على حِساب مَبدَأ الفصل بين السلطات، عِلماً بأنّ هذا المبدأ هُوَ من ركائز الديمقراطية. ولَو سَألت غُلاة الشِيعَة رأيَهم في مُقايَضَة رئاسة مجلس النواب برِئاسة مجلس الوزراء لجاء الرَدّ قَطعاً سَلبياً.

          هكذا يَبدو التوزيع الطائفي المُتعارَف عليه للرئاسات الثلاث مِرآة لِتوازُن اللا رِضى بين الطوائف، مع ذلك ليس بين غُلاة الطوائف الثلاث مَن يَـرضى بمُقايَضَة موقِع طائفته بموقِع آخر. المحصلة هي بطبيعة الحال توالي الأزمات الرئاسيّة، وكذلك إستمرار التنابُذ الطائفي على قاعِدة مُطالبَة كل فِئة بتعزيز الموقِع الرئاسي المَحسوب عَليها، بالطبع على حِساب الموقِعين الآخرين.

          لعل المُشكلَة كُل المُشكِلَة هي في طائفيّة الرئاسات، عِلماً بأنّ التوزيع المذهَبي للرئاسات ليس وَليد نَصّ صَريح في الدستور، بَل هُوَ من الأعراف الثابِتَة مُنذ زَمَنٍ طويل. وكان مصدر تأزُّم رِئاسي عند مفاصِل مُعيَّنَة في الماضي.

          عندما اضطَرّ الرئيس بشارة الخوري إلى الإستِقالَة في عام 1952 تحت ضَغطٍ نِيابي وشَعبي عارِم، أَصدر مرسوماً سَمّى بموجبه حكومة إنتِقالِيّة لتسلّم زمام الحكم، وكانت برِئاسَة العماد فؤاد شهاب، قائد الجيش آنذاك، وذلك كما هو معروف بِناءً على مَقولَة أنّ رأس الدولة لا يجوز عُرفاً إلاّ أن يكون مارونياً حتى ولَو كانت الحكومة لِفترَةٍ إنتِقالِيّة تَنتَهي بانتِخاب رئيس جديد للجمهورية.

          في عام 1978 ، وكنت رئيساً للوزراء، فَاتَحَني الرئيس الياس سركيس بأنّهُ لَم يَعُد قادِراً على تحَمُّل المَزيد من المُعاناة وسط تفاقُم الإقتِتال والتجاوُزات والعربَدات الأمنِيّة والتفَكُّك السِياسي، وأَبلَغَني عزمهُ على الإستِقالة، وأردَف قَولهُ هذا بمُطالَبتي بتقديم إستِقالتي أولاً. فسألتهُ عن الداعي إلى ذلك فقال إنّ العُرف يَقضي بأن يَبقى على رأس الدولة ماروني ريثما يُنتَخب رئيس جديد للجمهورية، وهُوَ تالِياً يَعتَزِم إعلان حكومَة إنتِقالِيّة برئاسة ماروني.

          حاوَلت أن أثنِيه عن قرار الإستِقالَة فأًصرّ عَليه. عند ذاك قلت لَهُ إنّني أَرفُض الإستِقالَة، مُؤَكِّداً أنّ تَرؤُّس ماروني للحكومة لِفترَة إنتِقاليّة لَيس عُرفاً بَل هُوَ سابِقَة سجّلها الرئيس بشارة الخوري، وإذا تَكرّرَت السابِقَة تَكرَّسَت عُرفاً. وأنا على غير استِعداد لأن أَكون سَبَباً لِتكريس السابِقَة عُرفاً. إلى ذلك، فلا ذِكر في الدستور لِشَيء يُسمّى حكومَة إنتِقالِيّة، بَل هُناك نَصّ صَريح بأنّ مجلس الوزراء مُجتَمِعاً يَتوَلّى المسؤولية في حال شُغور سدّة رئاسة الجمهورية لأيِّ سَبَبٍ. ثُم إنّني لا أُسَلِّم بالمَنطِق القائل إنّ المُسلِم لا يُؤتَمَن على رئاسة حكومة تتولّى مسؤوليّات رئاسة البلاد ولَو لأيّامٍ مَعدودات. فهذا مرفوض وَطَنِيّاً وليس طائفِيّاً. ثم لِماذا يَجوز عند وفاة رئيس الجمهورية، لا سمح اللَّه، ما لا يجوز عند إستِقالته؟ عادَ الرئيس سركيس فَطرَح المَوضوع أمام مجلس الوزراء وإلتَفَتَ صَوبي طالِباً إلَيَّ مُجدّداً الإستقالَة قَبلَهُ. فرفضت الطَلَب شارِحاً الأسباب الموجِبَة لِموقِفي هذا. فإذا بإثنين من الوزراء المَحسوبين مُباشَرَةً على الرئيس سركيس يُعلِنان إستِقالَتهما تضامُناً مَعَه. فعقَّبت بأنّ ذلك لا يُغيِّر مِن مَوقِفي شـيئاً ، فذلك شأنما. تواصَلَت بعد ذلك المُناشَدات للرئيس سركيس كَي يَعدُل عن قرار الإسـتقالَة، فاستجاب لَها وطُوِيَت تِلك الصفحة.

          تكرّرت هذه التجربة عند إنتِهاء عهد الرئيس أمين الجميّل من دون إنتِخاب رئيس يخلفهُ. فَطُرِح خِيار تَسمِيَة حكومة إنتِقاليّة برئاسة ماروني. إعتَرَضت على هذا الطرح مُستحضِراً الحَيثِيّات التي حَدتني إلى رفض الإستقالة في عهد الرئيس سركيس، مُضيفاً إليها إعتِباراً آخر، هُوَ أنّ الرئيس أمين الجميّل طَرَف في النِزاع الذي كان مُحتدِماً آنذاك ولا يستطيع تالِياً أن يتذرّع بشرعِيَة شعبِيّة في إعلان حكومة إنتِقاليّة، مِمّا يَعني أنّ أيّة حكومة يُعلِنها سَتولَد فاقِدَة الشرعيّة عَملِيّاً، أَي أنّها سَتولَد مَيتة.

          فُتِحَ على الأثر خَطّ إتِّصال بين الرئيس الجميّل وبَيني بالواسِطَة، وقد شارَك في التوَسُّط بَيننا خلال الساعات الأخيرة من عهد الرئيس الجميّل المرحوم داني شمعون الذي كان مُرابِطاً في هذا الوقت  في القصر الجمهوري. فتوَصّلنا إلى صِيغَة لترميم حُكومَتي بالتفاهُم على بعض الإضافات إليها. وقد لَقِيَت هــذه الصِيغَة رِضى داني شمعون. ولكن الرئيس الجميّل، في اللحظَة الأخيرة من عهده، تَجاوز هذا التفاهُم وأصدَر مرسوماً أعلن بموجبِه حكومة إنتقاليّة عسكرية برئاسة العماد ميشال عون، فوَقَعَت السلطة في حالٍ من الإنقِسام كانت عَواقِبهُ كارِثِيّة على كُلّ صَعيد.

          وكان آخر فُصول النِزاع بين الرؤساء على الصلاحِيّات ما دار مِن نِقاش حَادّ في جلسة مجلس الوزراء بتاريخ 25/3/2004، إذ تحدّث رئس الجمهورية، وهُوَ شخصِيّاً أبعَد الناس عن العصَبِيّة الطائفيّة، دِفاعاً عن صلاحِيّاته الدستوريّة إزاء إنتِقادات وُجِّهَت إليه إعلامِيّاً من رئيس الحكومة وأحد الوزراء، فتحفّظ رئيس الحكومة عن كلامه. وكان لهذا السِجال أصداء طائفِيّة في المجتمع.

          هكذا يَتَبين أنّ التوزيع المذهبي للرئاسات عُرفاً يكاد يختَصِر عنوان الحالَة الطائفيّة في البلاد. والمذاهِب الثلاثَة المعنِيّة بهذا التوزيع كُلّها غير راضِيَة عن واقِع المَقام المَحسوب على كُلٍّ مِنها وتُطالِب بتعزيزه. مع ذلك لو طُرِحَت أيّة صِيغَة لإعادة توزيع الرئاسات الثلاث مَذهبِياً لواجَهَت إعتِراضات من غُلاة المذاهِب الثلاثة. إلى ذلك، فباعتِبار أنّ الرئاسات ثلاث، فإنّ تَقاسمها بالتساوي بين المسلمين والمسيحيين غير مُمكِن عَملِياً في حال اعتِماد أيّة صِيغَة لإعادَة توزيع الرئاسات لا تخصّ المسيحيين بالرئاسة الأولى. فالعُرف القائم وَضَعَ عَمَلِيّاً رئاسة الجمهورية في كَفّة من المِيزان الطائفي ورئاسَتي المجلس النيابي ومجلس الوزراء في كَفّةٍ أُخرى. فأي تَبديل في المُعادَلَة سيكون مِن جرّائه الإخلال بالتوازُن الطائفي البالِغ الدِقّة. عِلماً بأنّ تخصيص نِيابة الرِئاستين الثانية والثالثة للروم الأرثوذكس يدخُل في هذه المُعادلة.

          إنّ مَرض الطائفِيّة العضال لا يُعالَج على مُستوى الرئاسات وَحدَها. قَدَر الطوائف، في ظِلّ توازُن اللا رِضى القائم حالِيّاًّ بَينَها، أن تَرضى بِما قَسَمَهُ لَها النِظام الراهِن إلى أن يَقضي اللَّه أمراً كان مَفعولاً بتجاوُز الحالَة الطائفيّة جَذرِيّاً وِفقاً لمضمون المادّة 95 من الدستور التي، لأسباب غير مَفهومَة، لم تُوضَع مَوضِع التطبيق بعد خمسة عشر عاماً من إقرار مَضمونها في إتّفاق الطائف.

 

 سليم الحص   

 

 

 

 

جميع الحقوق محفوظة  2004 / 2005 - Netglory ® ©