الجامعات

النقابات

الجمعيات

الأحزاب

المخاتير

البلديات

مجلس النواب

مجلس الوزراء

رئاسة الجمهورية

المقدمة

  Designed & Powered by NetGlory 

 
  الإتصال بنا

chat

عودة

أيها الناخب ... صوتك أمانة, لا تفرط به            -            حرية  +  ديمقراطية  =  إنتخابات نزيهة             -            أيها الناخب ... صوتك مسؤولية, كن بحجمها

 

 

مقالات

 

القوانين غير المكتوبة في لبنان

بقلم الرئيس سليم الحص

    

          اللبنانيون أكثر الشعوب احتراماً للقوانين ولكن غير المكتوبة منها فقط: إنها قوانين الطائفية والمحسوبية والواسطة والرشوة وحكم المال، كل هذا من عناوين الفساد المستشري في المجتمع اللبناني.

          الطائفية، في كَنف قانون غير مَكتوب، تؤمّن الحماية للفاسدين والمفسدين والخارجين على القانون. فيد المحاسبة القضائية لا تطول كبار القوم. فالتعرّض لأي منهم يستثير الحساسيات الطائفية أمام مقولة: لماذا هذا دون سِواه؟ وعندما يَسود هذا المنطِق تتعطّل كل آليات المحاسبة في مجتمعنا بما فيها القضاء، وذلك جراء ازدحام الساحة بالمتجاوزين، فأين تبدأ المحاسبة وكيف تَنتهي؟

          ولا تقتصر الحماية الطائفية على الإغضاء عن التجاوزات الشخصية، بل هي تشمل سائر التجاوزات حتى على مستوى الحكم. فلا مُساءلة عن تقصيرٍ أو إهمالٍ أو عن صفقاتٍ غير مشروعة أو إثراءٍ غير مشروع. ثم إنّ الاعتبارات الطائفية تتحكّم في التعيينات والتلزيمات وحتى في إقرار المشاريع الإنمائية. فالذي يصل إلى منصب معيّن في الإدارة والمؤسسات الحكومية ليس بالضرورة هـو الأصلح، وليس الأكثـر كفـاءة أو جـدارة، بل هو الذي يحظى برضى أحد زعماء الطائفة التي كُتِب المقام الإداري وقفاً عليها، والحظوة عند الزعيم السياسي لا علاقة لها بالمزايا أو الشمائل أو القيم.

          إذا جَمَعتَ ثروَة طائلَة فأنتَ في مِيزان المُجتمع اللبــناني رجل ناجِح وأنتَ، تالياً، رجل نافِذ. لَن تُسأل، في ظِلّ قانونٍ غَير مَكتوب، كيف صَنَعتَ مالَك، أبِالحَلال أَم بالحَرَام، لأنّ الجَاه، أيّاً يَكُن مصدَرهُ، حَلال. ما اجتَمَع الجَاه والفقر في رَجُل. وأَنتَ عِصاميٌّ إذا بدأتَ حياتَك فَقيراً وإنتَهيتَ ثَرِيّاً وبالتالي وَجيهاً. فالغايَة تُبرِّر الوَسيلَة.

          فمن القوانين غير المَكتوبَة أيضاً أنّ التَلزيمات تُمنح لِذوِي الحظوة، والحظوة هنا لها بُعد خاص، هو مشاركة المسؤول أو الزعيم في مردود الصَفقَة. هكذا يثري المسؤول أو الزعيم من تلزيمات الدولة، ولا من يحاسب أو يحاسبون. وكانت أسطع تجليات هذه الظاهرة في عملية تلزيم الهاتف الخلوي. ففي بلدان العالم المتحضّر عندما يُعرض قطاع مجزٍ مثل قطاع الخلوي على التلزيم تنهمر العروض بالعشرات. أما في لبنان فمخاض دام نحو سنتين لتلزيم القطاع لم يُسفِر إلا عن عارِضين اثنين، تشاء "الصدف" أن يكونا هما المشغّلين للقطاع حالياً، وتشاء "الصدف" أيضاً أن يكون أحدهما وزيراً والآخر صهراً لرئيس الحكومة. في الدول التي تحترم نفسها يُستبعد العارض الذي تكون له علاقة مباشرة أو غير مباشرة بمسؤول في الحكم، وذلك عملاً بمبدأ تحاشي "تضارب المصالِح" الذي لا وجود له في لبنان.

          في لبنان قانون لمكافحة "الإثراء غير المشروع" صدر عام 1953، فهل طُبِّق في حالة واحدة من حالات الإنتِفاع الفاجِر في مواقِع المسؤولية والتي تضُجّ  بها الطَبقة السياسية في لبنان؟

          ثم بزغت منذ بضع سنوات ظاهرة سُمّيت "المال السـياسي"، وهي تختصر استخدام المال مدراراً في تحقيق مآرب وصولية سياسية معينة، فتنقلب معها الساحة السياسية سوق نخاسة تُشرى فيها وتباع الضمائر والأصوات والأقلام والمواقف والآراء. إن لم يكن هذا من تجلّيات الفساد، فماذا عساه يكون؟ إنه أيضاً معطّل للحياة الديمقراطية في البلاد. في مَنطِق المال السياسي لكل فَردٍ ثمن، قد يكون البعض أغلى من البعض الآخر، ولكن يبقى لكل فَردٍ تَعرِفَة. هذا مع الإقرار بأنّ الساحة لم تَخلُ من مسؤولين يتمتّعون بحصانةٍ مَشهودَة والحمد للَّه، وهذا من باب الشُذوذ الذي يُثبت القاعِدَة. 

          ثم هناك ظاهرة المحسوبية والواسطة، بمعنى طلب الخدمة الشخصية من كبار القوم حتى ولو كانت غير مشروعَة لا بل خصوصاً إذا كانت غير مَشروعَة، وهذه الظاهِرَة ، إنما هي وجه آخر من أوجه الفساد. وأدهى ما في هذه الظاهرة أنها أضحت من صلب ثقافتنا، وهذا منتهى التردي. في ظل ثنائية المحسوبية والواسطة لا تكون الوظائف والمناصب من نصيب ذوي الكفاءة والجدارة بل من نصيب أصحاب الولاء لشخص هذا أو ذاك من القابضين على قرار السلطة، والمعاملات في دوائر الدولة ومؤسساتها ليست ميسّرة إلا بكلمة من أصحاب السطوة. المواطن ضَحِيّة في مجتمع أضحى فيه الفساد ليس ثقافة فحسب بل نظاماً. ففي كنف هذا النظام وفي ظل هذه الثقافة، السرقة والاحتيال والنفاق ليست مذمة بل هي شطارة. وفي مَقاييس مُجتمعنا الإستقامَة ضَربٌ من الغَباء.

          إن آفة الفساد، التي تتجلى في المذهبية والطائفية وفي الدور الفاسِد والمُفسِد الذي يلعبه المال السياسي وكذلك في ظاهرة الواسطة والمحسوبية التي لا تكون إلاّ على حِساب العدالَة والإنصاف، أضحت في كل تجلِّياتِها بمثابة القوانين غير المكتوبة التي تتحكّم بنهج الحياة العامة في بلدنا، وهي، ولو أنها غير مكتوبة، مطبقة عملياً بأمانَة أكثر كثيراً من القوانين الصادِرَة عن السلطة الإشتراعية. لا بل إن مخالفة القوانين النافذة باتت هي أيضاً من مظاهر الشَطارَة في مجتمعنا. وقد ساهم في نمو هذه الظاهرة انحِسار ظل المُحاسبَة الإدارية وكذلك ضعف القضاء وتدخل السياسة في مساره، علماً بأن القضاء هو آلية مهمّة من آليات المساءلة والمحاسَبة في أي بلد ديمقراطي، لا بل هو حجر الزاوية في بنيان الدولـة.

          قانون العفو العام أعفى عن كل جرائم الحرب اللبنانية وأفسح في المجال أمام من كانوا يُعدّون من مجرمي الحرب أن يتسلّقوا أعلى المراتب في النظام الميمون. والمعروف أن سنوات الحرب اللبنانية شهدت من الجرائم في حق الإنسانية ما يندى له الجبين.

وقد لا نغالي إذا قلنا إن العفو عن هؤلاء كان من شأنه إضفاء شيء من الشرعية على الجريمة وجعل تنفيذ أحكام الإعدام ببعض الجناة دون سواهم موضع تساؤل وفي منزلة العدالة الانتقائية.

          والأمر لا يقتصر على القضاء. فآليات المساءلة والمحاسبة كلها تبدو شِبه معطّلة في ظل نظام الفساد وثقافته. فالناخب لا يُحاسِب النائب والنائب لا يُحاسِب الحكومة والحكومة لا تُحاسِب الإدارة والقضاء أحياناً ما يكون إنتِقائيّاً. أما أجهزة الرقابة الإدارية والمالية، فهي تضم عناصر متميّزة ولكنها مُعطّلة الفعاليّة في ظل الأجواء السائدة ، وقد ازدحمت من حولها حالات الفساد والإفساد. المسألة التي باتت تُواجِه الناشِطين في الحقل العام أمام هذا المشهد البائس: من أين تكون البِداية؟ عَبثاً الرِهان على تَطوُّرٍ يقلب الأوضاع، لأن الطائفية تزخر بملكة تأبيد ذاتها. فمن سيتزعم أية حركة تغيير سيكون بالضرورة من طائفة معيّنة، ولن يجد، في ظل ثقافة الفساد، من يناصره من الطوائف الأخرى. وما لم تكن حركة الإصلاح مدعّمة بإجماع وطني لن يكون لها فرصة للنجاح.

          من المُسلّمات في الحياة السياسية في لبنان أنّ كلام الليل يمحُوه النهار. فهذه بيانات المُرشّحين للنيابَة تمنّي بالمَنّ والسلوى، وهذه البيانات الوزارية تُطلِقّ الوعود والشِعارات، وهذا خِطاب القَسَم الرئاسي يفتح آفاق مُستقبَلٍ واعِد، والمواطن على استعداد دَوماً لتقَبُّل هذا الكلام وتَصديقهُ، لِيَكتَشِف فيما بعد، بعد فوات الأوان، أنّ الوُعود تُخاطِب الأحلام وأمّا الأداء فيستَجيب للواقِع، وشتّان بين الحلم والواقِع، وفي ظِل هـــذه المُفارَقَة كثيراً ما يكون بين الوِفاق والنِفاق خَيطٌ دَقيق لا يُرى بالعينِ المُجرَّدَة.

          في عصر القوانين غير المَكتوبَة، التي تَنابَتَ الفساد في كَنفِها وإستشرى، تلتَمِع حُروف قانون مكتوب واحد يمكن أن يكون عنواناً للإصلاح، هُو قانون الإنتخاب. وهذا هُو الوَجه الآخر للقول بأنّ أهداف الإصلاح، على تعدّدها، إنما تُختَصَر بكلمةٍ واحدة هي الديمقراطية. إن وُجِدَت الديمقراطية وُجِدَت معها آليات المُساءلة والمُحاسبَة التي ينبع مِنها كل إصلاح. لِذا القول إنّ نُقطَة الإنطِلاق لأيّ تَوَجُّهٍ إصلاحي هي في قانون إنتِخاب يكفَل صِحّة التمثيل النِيابي من جِهة، وشُروط تكافؤ الفُرَص بين المرشّحين من جِهة ثانية.

          يبقى الرِهان في أيٍّ حال مَعقوداً على المواطن، على الناخِب. فيوم يُحسِن الإختيار في الإنتخابات النيابية، مُتمرِّداً على تحدّيات الفساد والمال السياسي، تَنطلِق مَسيرة التغيير والإصلاح. المعوّل، بكلمةٍ موجزة، يبقى على صَحوَة المواطن ووعيه مصالِحه الوطنية بحيث يَكسُر طَوق ثقافة الفساد المُستشري في مُجتمعه. هذا حلم، ولكنّّه حلمٌ مشروع.

 سليم الحص   

 

 

 

 

جميع الحقوق محفوظة  2004 / 2005 - Netglory ® ©